الباعة الجائلين بالرحمة 1 بين سندان لقمة العيش ومطرقة القانون
السفير 24 ـ أفريلي مهدي
تطرح ظاهرة الباعة الجائلين بمنطقة الرحمة إشكالية اجتماعية وقانونية تتجاوز مجرد احتلال الملك العمومي، لتضع الجهات المعنية أمام تحدي التوفيق بين فرض احترام القانون وضمان الحقوق الاجتماعية والاقتصادية لهذه الفئة، ففي الوقت الذي يطالب فيه عدد من المواطنين بتنظيم الفضاءات العمومية والحفاظ على انسيابية حركة السير والجولان، يجد العديد من الباعة في التجارة البسيطة وسيلة لتأمين قوتهم اليومي وإعالة أسرهم، مما يجعل معالجة هذا الملف تستوجب استحضار الأبعاد الاجتماعية والاقتصادية، دون إغفال ضرورة احترام القواعد المنظمة لاستغلال الملك العمومي.
وفي السياق ذاته ، ينص الفصل 31 من دستور المملكة المغربية على التزام الدولة والمؤسسات العمومية والجماعات الترابية بتعبئة الوسائل المتاحة لتيسير استفادة المواطنات والمواطنين من الحق في الشغل، والدعم في البحث عن منصب شغل أو في التشغيل الذاتي وفي المقابل، تحدد المادة 100 من القانون التنظيمي رقم 113.14 المتعلق بالجماعات اختصاصات الشرطة الإدارية، بما فيها منح رخص احتلال الملك العمومي دون إقامة بناء وفق القوانين الجاري بها العمل، فيما تتناول المادة 110 اختصاصات مراقبة احتلال الملك العمومي الجماعي وهي مقتضيات تبرز أهمية تنظيم المجال العام وفق القانون، مع العمل على إيجاد حلول واقعية للفئات التي تعتمد على البيع بالتجوال كمصدر للعيش، باعتبار أن الحق في الشغل لا يشكل ترخيصا تلقائيا باحتلال الملك العمومي.
وفي سياق متصل، يظل الرهان المطروح بمنطقة الرحمة هو الانتقال من معالجة الظاهرة بمنطق المنع وحده إلى اعتماد مقاربة متوازنة تقوم على التنظيم والحوار وإيجاد فضاءات ملائمة لممارسة الأنشطة التجارية، وفق الضوابط القانونية والإمكانات المتاحة.
حيت تبرز الحاجة إلى تنسيق تدخلات الجهات المختصة بما يضمن حماية حقوق المواطنين في فضاء عام منظم، ويحفظ للباعة كرامتهم ومصدر رزقهم، دون الإضرار بحقوق باقي مستعملي الطريق فالمطلوب ليس وضع القانون للحد على الظاهرة ، وإنما تفعيل القانون بالتوازي مع حلول اجتماعية واقتصادية مستدامة، تجعل من التنظيم مدخلا لمعالجة الإشكال بدل تكريس التوتر بين الباعة والمحيط الذي يزاولون فيه أنشطتهم.
وجدير بالذكر أيضا ، بأن الوضع الذي يعيشه الباعة الجائلون بمنطقة الرحمة يستدعي تدخلا عاجلا ومسؤولا من طرف السلطات المحلية والمجلس الجماعي ومختلف الجهات المعنية، من أجل فتح باب الحوار مع الباعة والاستماع إلى مطالبهم، والعمل على إيجاد حلول عملية تضمن تنظيم الملك العمومي وتحفظ في الوقت ذاته كرامة هذه الفئة وحقها في مصدر عيش كريم، حيت أن المطلوب هو اعتماد مقاربة اجتماعية وإنسانية إلى جانب التطبيق السليم للقانون، من خلال دراسة إمكانية تخصيص فضاءات مناسبة لمزاولة أنشطتهم، عوض الاكتفاء بالتدخلات الظرفية التي قد تزيد من تعقيد الوضع، كما أن ساكنة منطقة الرحمة والباعة الجائلين اليوم أمام مسؤولية مشتركة، لكن المسؤولية الأكبر تقع على عاتق الجهات المختصة لإيجاد تسوية عادلة ومستدامة، تجعل القانون أداة للتنظيم والإنصاف، لا سببا في تعميق الهشاشة الاجتماعية، وتؤكد أن كرامة المواطن وحقه في التشغيل يجب أن يظلا في صلب كل قرار أو تدخل.
The full article is being collected. Available text is shown for now.