← globalread.info

Kitabat · 10/12/2026 · 0 views

Share this story

مقامة باهيزة

عَرفتْ منطقتنا ذات يوم صبيةً فائقة الحسن , وضيئة المحيّا , تُدعى (( باهيزة )) , فصار هذا الاسم على ألسنتنا في ريعان الشباب رمزاً لجمالٍ آسرٍ وأمنيةٍ بعيدة المرام , فمن أين تسرّب هذا الاسم الوشيك إلى الذاكرة , وارتسم على شفاه الأجيال؟ ولما طوّفنا في مظانّ البحث والتاريخ , تبيّن أن الاسم لم يكن مجرد صدفة عابرة , بل وسام فخرٍ يتوج به الأهالي مواليدهم , فهو ثمرة أهزوجة وطنية خالدة تأصلت في جذور التاريخ العراقي عام 1916م , إبان لهيب الاحتلال البريطاني , ففي منطقة (( باهيزة )) الواقعة بين الناصرية والشطرة من أرض ذي قار المعطاء , دارت رحى ملحمة بطولية خاض غمارها فرسان عشائر (( آل أزيرج )) إذ تصدّوا لوحشة الزحف البريطاني المتجه صعوداً صوب بغداد , ومنعوا جحافله من اجتياز المجرى المائي الذي حمل اسمها زمناً غير قصير .

وحين ضاقت السبل بالغازين , وأعييتهم الحيل في كسر شوكة الصمود , عمدوا إلى إرسال مفاوضٍ يصحبه ترجمانٌ لعرض الأموال والمغريات على الشيخ (( ذرب آل خضير)) رغبةً في فتح الطريق , فلم يجد الشيخ في رده سوى لغة الإباء , مردداً ببساطة وعفوية أنه يريد أولاً (( استشارة باهيزة )) , فوقع المفاوض ومترجمه في حيرة مطبقة , ظانين أن (( باهيزة )) امرأة حكيمة أو سيدة متنفذة تُؤخذ مشورتها في عظيم الأمور , وما لبث السر أن انكشف جلياً حين سار الشيخ بخطى واثقة نحو حافة النهر , فوضع كفّيه على ضفته متمسكاً بعهد الثبات , وابتدأ يصدح بالهَوْسَة الحماسية التي رجّت المكان , ليردد الرجال صداها من ورائه هادرين بالرفض المطلق للعبور : (( شَرْنَاهه وعيَتْ باهيزه )) .

يريد العراق اليوم أن يستحضر (( باهيزة )) التاريخية , رمز النخوة والثبات أمام الطغيان والعبور غصباً , ليستنهض من رحمها (( باهيزة المعاصرة )) , الرمز والضمير الهادي للعراقيين , لتكون صرخة توحد ولمّ شمل في وجه التشرذم , والفساد , والتدخلات , وكل السهام التي أحاطت بالبلاد بعد عام 2003 , فلما انجلت غبار تلك الذكرى التاريخية , واستقرت العِبرةُ في الصدور , تساءل العراقيون , إن كانت باهيزة الأمس قد أوقفت جيشاً جَرّاراً بماء ضفتيها , وجمعت آل أزيرج تحت راية الرفضِ والكبرياء , فأين (( باهيزة اليوم ؟)) , أين تلك القوة العميقة التي تجعل العراق يستشير ضميره فيأبى؟ فلقد طوقت أرض السواد بعد عام ألفين وثلاثة (2003) شباكُ الشرورِ صُنوفاً وألواناً , بين فتنةٍ داخليّةٍ تبتغِي التفرقة , وأطماعٍ خارجيّةٍ تستبيحُ الحِمى , وفسادٍ ينهك الأجساد والأرواح , وغدا الناسُ بين حيرةٍ وشتات , يفتشون في ظلمات الأحداث عن مرساة ثبات , وأملٍ يلم الشمل ويصد الطوفان .

ومن هنا تنطلق رحلتنا للبحث عن (( باهيزة الجديدة )) , إنها ليست نَهراً جافاً ولا مجرد اسمٍ في حكاية , بل هي (( روح التلاحم الوطني )) التي تسري في جسد الأمة من شمالها إلى جنوبها , وهي الصوت المتزن الذي يرفض السير خلف الشعار المزيف , ويتجاوز خنادق الطائفية والمحاصصة , إنها النخوة العراقية التي متى ما (( استُشيرت )) في ويلات العراق اليوم , هتفت بعلو صوتها : (( شَرْناهَه وعَيَتْ … )) , عَيَت أن ترضى بالهوان , وعَيَت أن تسلّم العراق للشرور والعبور الإثيم , وفي رحلة التفتيش بين الضفاف والمدائن ,وقد أخذتْ النشوةُ العراقيين بحديث الأمسِ والهمّة , والتساؤل إن كانت (( باهيزةُ)) الأمسِ قد أوقفتْ بجريانِ مائها جحافلَ الغزاة , ورسّختْ بوقفتِها قيمَ الإباءِ والثبات , فواللهِ ما أحوجَنا اليومَ إلى باهيزةٍ جديدة , تُوقِفُ طوفانَ التشرذم , وتَرُدّ عاديةَ التفرقة , وتكونُ مَفْزَعاً لجمعِ الشملِ وإعادةِ اللُّحْمَة .

لقد شَدَ الوطنيون الرحال , وتوكّلوا على الكبيرِ المتعال , يطوفُون في مظانّ المُنَى , ويستقرئون الوجوهَ والذُّرَى , وقطعوا الفيافيَ والقفار , وغَشوا الأسواقَ والديار , فأناخْوا الركابَ في (( البصرةِ )) عندَ ملتقى النهرين , ونادوا في (( ذي قار)) مهْدِ الحضارةِ والدِّين , ثم عَرَجوا على (( بغدادَ )) دارِ السلام , وساروا صوبَ (( كركوكَ )) و((الموصلِ)) وشِعابِ (( كردستان )) , وكانوا يسألون كلَّ شيخٍ جليل , وشابٍّ نبيل , ومقهىً يعجُّ بالرُّوّاد , وحَقْلٍ يرفلُ بالمزارعين والأوتاد , (( هل رأيتم باهيزة؟ هل لَمَسْتم أثَرَها في هذه الأزمان؟)) فكانت العيونُ تفيضُ بالرجاء , والألسنُ تلجلجُ بالدعاء , والكلُّ يجمعُ على أن البلادَ قد أُحيطَ بها من كلِّ جانب , وتكاثرتْ عليها النَّوائب .

وعندَ ذِكْرِ المحنة , خَيَّمَ الذهول , وتداعَتْ للذاكرةِ فصولٌ بعدَ فصول , فمُنْذُ أن دَهَمَت البلادَ نازلةُ عامِ (( ألفين وثلاثة )) , انفتحتْ على أرضِ السوادِ أبوابُ الشُّرورِ من كُلِّ فَجّ , ومَاجَت الفِتَنُ كالبحرِ إذا اضطربَ وعَجّ , وطُوِّقَ العراقُ بشِباكٍ مُحْكَمَةِ التدبير , بين شرورٍ خارجيةٍ تبتغي سَلْبَ إرادتِه , وتهديمَ أركانِ سيادتِه , وجَعْلِ أرضِه ميداناً لتصفيةِ الحسابات , وبين أدواءٍ داخليةٍ أنْهَكَتِ الجَسَد , من محاصصةٍ مقيتة , وفسادٍ يلتهمُ الأخضرَ واليابس , وطائفيةٍ سوداءَ تُذْكي نيرانَ التباغضِ والتطاحُن , وغدا الوطنُ كالسفينةِ تتجاذبُها الأمواجُ العاتية , والغزاةُ من حولِها يتربّصون , يمنّون النفسَ بعبورِ جدارِ صمودِها , بعدَ أن ظنّوا أن الحِصْنَ قد تَهَدّم , وأن الرباطَ قد تَصَدَّع.

وبينما العراقيون في حَيْرتِهم يتردّدون , وفي زحمةِ الهمومِ يتَبَدّدون , وقفَ بهم مطافُ السَّفَرِ على ضَفّةِ نَهْرٍ خالِد , وقد التَفَّ حولَهُ صَفْوَةٌ من أبناءِ الوطنِ بمختلفِ أطيافِهم وربوعِهم , ينشدون لُحْمَةَ الدار , ويدرءونَ عنها الأخطار , فصاحَ فيهم هاتفُ الحقِّ والبصيرة , ويْحَكم , أتبحثون عن (( باهيزة )) في الخيال , أم تحسبونها جَسَداً يُرى بالعيان؟ إنّ (( باهيزة الحديثة )) ليستْ مجرّدَ قطرةِ ماءٍ في جدول , ولا امتداداً لحدثٍ قد رَحَل , إنها ضميرُ العراقيّ الأصيل يومَ يستفيق , إنها الوعيُ الناهضُ في أوردةِ الشباب , والرفضُ القاطعُ للتفرقةِ والإرهاب , إنها صرخةُ التآخي التي تَتَسامى فوقَ المذاهبِ والأعراق , وتَجْمَعُ الشَّمْلَ تحتَ مظلّةِ العِراق .

وعندها تَيَقَّنوا أن السرَّ كامنٌ في الصدور , وأن السَّدَّ المنيعَ الذي يمنعُ أعداءَ الداخلِ والخارجِ من العبور, إنما هو (( تَوَحُّدُ الكَلِمَة )) و(( صَفَاءُ الإرادة )) , فجَثا الأحرارُ على أرضِ الوطنِ النديّة , ووضعوا أيديهم على تُربتِه الزكِيّة , كما وضعَ الشيخُ ذَرْب كفَّيْهِ على حافةِ النهرِ بالأمس , وهتفوا بصوتٍ واحدٍ يَرُجُّ الآفاق , ويَسْتَنْهِضُ أركانَ العراق : (( شَرْناهَه وعَيَتْ باهيزه… ما يُعْبُر الشَّرْ هالْمَرَّه , شَرْناهَه وعَيَتْ باهيزه… وبْروحْ وِحْدَتْنا حُرَّه )) , فكانت تلكَ الهَوْسَةُ حبلَ الاعتصام , وشُعاعَ الأملِ في مظلمِ الأيام , لِيَبْقَى العراقُ عصِيّاً على الكَسْر , عزيزاً إلى مُنْتَهى الدَّهْر .

The full article is being collected. Available text is shown for now.

Source: Kitabat ↗
Share this story

Ask globalread.info

AI news & website helper
What would you like to explore?

I can find stories, explain headlines, or help you use globalread.info.

AI can make mistakes. Check the linked sources. Questions are sent to OpenAI.